محمد سعيد رمضان البوطي
274
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
بلحظة واحدة يقول ، إن في نفسه من نبوة رسول اللّه شيئا ؟ ! . . ولكن الإشكال يزول بما قد علمت ، من أن المطلوب في الدنيا من المشرك أو الكافر ليس هو استقرار الإيمان كاملا في فؤاده ، في اللحظة التي يراد منه فيها الدخول في الإسلام ، وإنما المطلوب منه أن يستسلم كيانه ولسانه لدين اللّه تعالى فيخضع لتوحيد اللّه تعالى ويذعن لنبوة رسوله وكل ما جاء به من عند اللّه تبارك وتعالى . أما الإيمان فيربو بعد ذلك في قلبه مع استمرار تمسكه بالإسلام وخضوعه له . ولذلك يقول اللّه تعالى في كتابه الكريم : قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا ، وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ [ الحجرات 49 / 14 ] . ولذلك أيضا لا يجوز للمسلم أثناء القتال أن يحمل إسلام أحد من الكفار في أثناء المعركة على الخوف من السلاح أو الرغبة في الغنيمة ، أو التظاهر بما لا يوقن به ، مهما كانت القرائن دالة على ذلك ، لأن المطلوب ليس الاستيلاء على ما في الضمائر والقلوب ولكن المطلوب إصلاح ما هو مكشوف وظاهر . وفي ذلك يقول اللّه تعالى تعليقا على ما بدر من بعض الصحابة في إحدى السرايا التي أرسلها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إذ قتل شخصا أعلن إسلامه ظنا منه أنه إنما أعلن ذلك مخافة السلاح : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ، وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً ، تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا ؟ فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ ، كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ، فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [ النساء 4 / 94 ] . وانظر كيف ذكرهم بحالهم يوم أن دخلوا الإسلام جديدا ، فقد كان كثير منهم إذ ذاك مثل هذا الذي لا يثقون بإسلامه اليوم ، ثم منّ اللّه عليهم فحسن إسلامهم وتصفّى مع الاستمرار في ممارسة أحكامه ، من الدّخل والشوائب . ولقد كان من حكمة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعد أن أعلن أبو سفيان إسلامه ، أن أمر العباس أن يقف به عند مضيق الوادي ، الذي ستمر فيه جنود اللّه تعالى ، حتى يبصر بعينه كيف أصبحت قوة الإسلام ، وإلام انقلبت حال أولئك الذين هاجروا من مكة قلة مشتتين مستضعفين ! . . وحتى تكون هذه العبرة البالغة أول مثبت لدينه ومؤكد لعقيدته . وأخذ أبو سفيان يتأمل الكتائب التي تمر ، واحدة إثر أخرى ، وهو في دهشة وذهول مما يرى ! . . والتفت يقول للعباس ، وهو لا يزال تحت تأثير بقايا من الفكر الجاهلي وأوهامه : « لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما ! » . فأيقظه العباس من بقايا غفلته السابقة قائلا : « يا أبا سفيان إنها النبوة » . أيّ ملك هذا الذي تقول ؟ . . لقد ألقى الملك والمال والجاة تحت قدميه يوم أن عرضتم كل